المدونة
التعقب الرقمي.. ما هو وكيف تحمي نفسك منه؟
في عالمنا اليوم، نحن نُدلي بكل معلوماتنا وبياناتنا إلى هواتفنا وحواسيبنا. تفضيلاتنا ومعاملاتنا المالية وتفاصيل العمل والأسرة وغيرها الكثير. وعندما نخرج نعتمد على الخرائط الرقمية، وعندما تحدث مناسبة ما نحجز هديتها عبر الإنترنت. كل تلك التفاصيل لا تعني إلا شيئًا واحدًا.. أنت مكشوف تمامًا أمام أي شخص أو جهة تحاول تعقبك!
في العالم المثالي “نظريًا” لا يجب أن نقلق بشأن الإفصاح عن بياناتنا لأن الجميع مُلزم بقوانين حماية البيانات. لكن ما يحدث في الواقع هو العكس، الأمر الذي يستدعي القلق ويستدعي المعرفة بالحقوق الرقمية. فنحن اليوم في عالم التعقب أو التتبع الرقمي، وهو أمر منافٍ للحق في الخصوصية الرقمية والحق في حماية البيانات الشخصية. فمن أبرز الحقوق الرقمية، أن من حق كل مستخدم معرفة كيف تُجمع بياناته، ولأي غرض تُستخدم، وأن يطالب بحذفها إذا لم تعد ضرورية.
من منطلق الوعي هذا، نتحدث في هذه المقالة عن التعقب الرقمي أو التتبع الرقمي، لنتعرف عليه وعلى كيفية حماية أنفسنا منه.
أولًا: ما هو التعقب الرقمي؟
التعقب أو التتبع الرقمي هو عملية جمع وتحليل بيانات الأفراد أثناء استخدامهم للإنترنت، بهدف جمع معلومات حول أنشطتهم وسلوكياتهم وتفضيلاتهم وموقعهم الجغرافي. ويتم غالبًا دون علم المستخدم أو موافقته المباشرة، حيث تُستخدم هذه البيانات لأغراض متعددة، مثل تقديم إعلانات مستهدفة، أو تحسين تجربة المستخدم، أو حتى لأغراض أمنية وتجارية.
ثانيًا: كيف يحدث التعقب الرقمي؟
هناك عدة طرق وآليات يتم من خلالها التعقب الرقمي، ومنها:
1. ملفات تعريف الارتباط (Cookies):
وهي ملفات صغيرة تُحفظ على جهازك عند زيارة موقع إلكتروني، وتُستخدم لتذكر معلوماتك مثل اسم المستخدم، وإعدادات اللغة، وعادات التصفح. أصبح لزامًا على المواقع الإلكترونية أن تصرح باستخدامها ملفات تعريف الارتباط، حيث يحق للمستخدم الموافقة أو عدم الموافقة على استخدامها.
2. بصمة المتصفح (Browser Fingerprinting):
وهي طريقة يتم من خلالها جمع معلومات عن المتصفح الذي تستخدمه، ونوع الجهاز، ودقة الشاشة، لتكوين بصمة فريدة تُستخدم لتتبعك عبر المواقع. وتعد بصمة المتصفح أخطر من ملفات تعريف الارتباط إلا أن بعض المتصفحات تمنع استخدامها.
3. التعقب عبر الشبكات الاجتماعية:
تجمع الشبكات الاجتماعية مثل فيسبوك وتويتر البيانات عن نشاطاتك، داخل وخارج منصاتها، من خلال أزرار “الإعجاب” أو “المشاركة” الموجودة على مواقع أخرى. غالبًا ما تستخدم هذه البيانات لأغراض تجارية وإعلانية، لكنها تُصنف ضمن التتبع الإلكتروني.
4. التعقب عبر التطبيقات:
عندما تحمّل تطبيقًا قد تضغط بشكل تلقائي على زر “موافق” دون أن تعي طبيعة المعلومات التي تُتيح للتطبيق أن يجمعها عنك. العديد من التطبيقات تجمع بيانات الموقع الجغرافي، والنشاط اليومي، وسجل التصفح من الهواتف الذكية. وهناك تطبيقات تجمع بيانات من الميكروفون والكاميرا بإذنك أو دون إذنك.
5. التعقب عبر الإعلانات الرقمية:
تعتمد شبكات الإعلانات مثل Google Ads على تتبع نشاطك عبر مواقع متعددة، لتقديم إعلانات مستهدفة بناءً على اهتماماتك. لذلك تلاحظ أن اهتمامك بمنتج أو خدمة ما، ينعكس فورًا في كمية الإعلانات التي يتم ضخّها لك.
ثالثًا: هل التعقب الرقمي خطير؟
أبسط إجابة على هذا السؤال هو أنه لا يحق لأحد أن يعرف معلوماتك دون إذنك. تخيل أن جارك يُجبرك على فتح باب بيتك باستمرار ويراقب كل تصرفاتك. هل تقبل؟! هذا ما يحدث بالضبط.
وبشيء من التفصيل، تكمن مخاطر التتبع الرقمي في:
- انتهاك الخصوصية: حيث يتم جمع بيانات حساسة عن المستخدمين دون إذن واضح.
- استخدام البيانات بشكل ضار: فقد تُباع البيانات لشركات تجارية أو جهات أمنية أو قراصنة أو تُستخدم في هجمات احتيالية.
- التأثير على السلوك: فالتعقب يمكن أن يؤثر على قراراتك عبر الإعلانات المستهدفة.
- تعزيز الفجوات الرقمية: حيث تركز بعض الشركات على استهداف المستخدمين الأثرياء أو ذوي السلوكيات الشرائية النشطة، مما يؤدي إلى تجاهل شرائح مجتمعية أخرى.
رابعًا: كيف تحمي نفسك من التعقب الرقمي؟
الحماية الكاملة من التتبع الرقمي مستحيلة، لأنك مجبر على استخدام تطبيقات لشركات كبرى تُعرف بجمع المعلومات، أهمها تطبيقات شركة “غوغل”.
في المقابل، يمكنك الانتباه إلى بعض التفاصيل التي تحافظ على خصوصيتك قدر الإمكان، وتقلل مخاطر التعقب الرقمي، مثل:
- إدارة ملفات تعريف الارتباط:
احذف ملفات تعريف الارتباط بشكل دوري من متصفحك، واستخدم إعدادات المتصفح لتعطيل ملفات تعريف الارتباط غير الضرورية.
2. استخدام متصفحات تهتم بالخصوصية:
فهناك متصفحات مثل Brave أو Firefox توفر ميزات مدمجة لمنع التتبع. كما يمكنك تفعيل وضع “التصفح الخاص” (Incognito Mode) في المتصفح.
3. استخدام إضافات لمنع التعقب:
أبرز هذه الإضافات هي uBlock Origin، Ghostery، وPrivacy Badger التي تحد من التعقب الرقمي.
4. تجنب تسجيل الدخول عبر حسابات التواصل الاجتماعي:
حاول ألا تدخل إلى مواقع أو تسجل في مواقع من خلال حساباتك على فيسبوك أو جوجل. عندما تفعل ذلك أن تعطي الفرصة للشبكات الاجتماعية بجمع المعلومات عن نشاطك خارجها، طالما أنك تستخدم حسابها.
5. استخدام خدمات VPN:
إذا شعرت بضرورة ذلك، استخدم شبكات VPN التي تقوم بإخفاء عنوان IP الخاص بك، مما يجعل تتبعك أصعب.
6. مراجعة الأذونات على التطبيقات:
راجع كل الأذونات التي تمنحها للتطبيقات، خاصةً الوصول إلى الموقع الجغرافي والكاميرا والميكروفون. سوف تتفاجأ من سماحك في السابق لبعض التطبيقات باختراق هاتفك أو حاسوبك.
7. التوعية الرقمية:
ابقَ على اطلاع دائم بالتقنيات والأساليب الجديدة للتعقب الرقمي وكيفية التصدي لها.
ومع تزايد وعي المستخدمين بأهمية الخصوصية وحقوقهم الرقمية بشكل عام، بدأت الحكومات والمنظمات الدولية بسن قوانين وتشريعات مثل “اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)” في الاتحاد الأوروبي، والتي تفرض قيودًا صارمة على جمع البيانات.
لكن الأمر يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، ومن المهم أن يكون المستخدم واعيًا لكيفية حماية نفسه من هذه المخاطر، عبر استخدام الأدوات المناسبة واعتماد عادات تصفح آمنة.
لذلك ننصحك أن تبدأ أولى خطوات الحماية على شبكة الإنترنت بالانضمام إلى مساق ” الحقوق الرقمية” على منصة أثر. يقدم المساق لمحة عامة حول حقوق الإنسان على الإنترنت وفقاً للمعايير والأطر القانونيّة الدوليّة، ويقدم معلومات حول طرق الحماية الرقمية والتفسيرات المرتبطة بالحقوق الأساسية، ويعتبر خطوة مهمة في تعزيز معارف المستخدمين والنشطاء والفاعلين لتحسين واقع مناصرة والدفاع عن الحقوق الرقمية في فلسطين وخارجها.
شاهد أيضًا : مساق “ الاستخدام الآمن والفعال على شبكة الانترنت ” عبر منصة أثر.