المدونة
فهم مشاعر الأطفال في الأزمات.. كيف نتعامل معها بفعالية؟
عندما تمر بأزمة صعبة أو طارئة، تستطيع كبالغٍ أن تشعر بالضغوط النفسية وتفسر هذه المشاعر وتربطها بالمسبب. أنت تعرف أنك خائف أو قلق أو متوتر أو حزين جدًا. لكن، هل كنت تدرك معاني مشاعرك عندما كنتَ طفلًا؟
الطفل الذي كان يعتقد أن شخصيته الكرتونية بطل حقيقي، وأن الوحوش التي تواجه أبطال الديجتال هي الشر المُطلق، يستيقظون اليوم على حروب تملأ الشوارع جثثًا حقيقية، وتُحيل البيوت ركامًا، وتخطف الأهل والأصدقاء. وهناك أطفال آخرين وجدوا العالم مغلقًا بين ليلةٍ وضحاها بسبب وباء خطير، أو أية كارثة أخرى. فهل يحتملون الضغوط النفسية التي تسببها الأزمات؟ وهل يجيدون التعبير عن مشاعرهم؟
كيف تؤثر الأزمات على صحة الأطفال النفسية؟
قبل تقديم الحلول، لابد من فهم مدى تأثير الأزمات على الصحة النفسية للأطفال.
تتفق منظمة الصحة العالمية مع يونيسيف حول احتمالية إصابة الأطفال المعرضين لأزمات صعبة تسبب ضغوطًا عاطفية شديدة، إلى مشاكل في الصحة العقلية والنفسية الاجتماعية مدى الحياة. كما أن الفشل في معالجة القضايا المتعلقة بالصحة العقلية والنفسية يعرقل نمو الطفل ويحرمه من فرص المشاركة بشكل هادف في المجتمع.
بالإضافة إلى ذلك، تضع حالات الأزمات والطوارئ الأهل ومقدمي الرعاية، تحت ضغط عقلي ونفسي، قد يمنعهم من توفير الحماية والاستقرار والرعاية التي يحتاجها الطفل.
وفي حين أن إصابة الطفل الجسدية تكون مرئية على الفور، قد يظل الجرح النفسي غير مرئي. وقد يعاني الطفل لاحقًا من أعراض وسلوكيات غير طبيعية بسبب تدهور صحته النفسية.
وعند التعرض لأزمة، هناك أطفال يعبرون عن مشاعرهم بشكل مباشر، مثل الاعتراف بالخوف والقلق والغضب والحركة الزائدة والأسئلة المفرطة. وهناك أطفال يعبرون بشكل غير مباشر، من خلال المعاناة من اضطرابات النوم والكلام والتبول غير الإرادي والتشنج الجسدي وشدة التعلّق بأفراد الأسرة.
استراتيجيات فعّالة لتخفيف الضغوط النفسية عند الأطفال في أوقات الأزمات
في محاولة للحد من الآثار السلبية للأزمات النفسية عند الأطفال، لابد من تعلم واتباع استراتيجيات فعالة من قبل الأهل أو المربين، أبرزها:
- توفير المعلومات والحقائق
جهل ما يجري أو جهل ما قد يحدث في المستقبل، أحد أهم أسباب زيادة الخوف. وظيفتنا كبالغين هي الإجابة عن أسئلة الأطفال بصدق وتزويدهم بالحقائق المبسطة.
لا تحاول أبدًا الكذب أو إعطاء أمان مزيف، حتى لا يفقد الطفل ثقته بك. وإذا لم تمتلك أجوبة عن بعض أسئلته، أخبره بذلك.
- الحوار المفتوح والداعم
الحوار الداعم والمنفتح مرتبط بتوفير المعلومات. ففي الماضي كان الانطباع السائد هو أن الأطفال لا يفهمون، ولا مشكلة في تجاهل الحوار معهم.
في الواقع يدرك الأطفال كلّ ما يحدث حولهم حتى لو لم يفهموا بالتحديد أبعاد وآثار الأحداث. لذلك من المهم أن يتحدث الأهل مع الأطفال حول الأحداث الجارية بطريقة تناسب أعمارهم. يجب أن يطمئنوا الأطفال ويشرحوا لهم الوضع باستخدام لغة بسيطة يفهمونها. يمكن البدء بطرح أسئلة مثل: “كيف تشعر؟” أو “هل لديك أي أسئلة حول ما يحدث؟”
ودائمًا، قدّم إجابات واضحة وهادئة وصادقة حد الإمكان، وتجنب تقديم معلومات معقدة أو مخيفة.
- الاعتراف بالمشاعر والتعبير عنها
عندما تلاحظ معاناة طفلك من شعور معين، اعترف بوجود هذه المشاعر، وسمّها بمسمياتها الحقيقية.
وفي عالم المشاعر، لا يوجد صواب أو خطأ، بل يوجد ظرف راهن يجب التعامل معه. لذلك ابتعد عن النصائح التقليدية والمحاضرات الطويلة وإصدار الأحكام.
وقد يواجه الأطفال صعوبة في التعبير عن مشاعرهم بالكلمات، لذا يجب توفير بيئة آمنة لهم للتعبير بطرق مختلفة مثل الرسم، والكتابة، أو اللعب أو الغناء أو التمثيل.
يمكنك استخدام القصص أو الألعاب كأداة لتشجيع الأطفال على التحدث عن مشاعرهم ومخاوفهم، والاستعانة بشخصيات خيالية تمر بمواقف مشابهة.
- فهم المخاوف
إذا قدمت معلومات للطفل، وتحدثت معه حول مشاعره، واستمر في طرح الأسئلة، فهذا يدل على خوفه وقلقه. قد لا تكون الإجابة عن أسئلته هي المهمة في هذه الحالة، وإنما فهم مخاوفه ومحاولة تهدئته وطمأنته قدر المستطاع.
- الحفاظ على روتين يومي
أثناء الأزمات، غالبًا ما يختل الروتين اليومي. تختل ساعات النوم والاستيقاظ، وقد يكون الذهاب إلى المدرسة مستحيلًا وغيرها من التفاصيل. من الضروري هنا خلق روتين جديد يتناسب مع الظرف الراهن، لأنه يمنح الأطفال شعورًا بالأمان ويقلل توترهم.
حاول قدر الإمكان الحفاظ على أوقات ثابتة للنوم، والوجبات، والأنشطة الترفيهية مثل اللعب أو القراءة.
- تقليل التعرض للمحتوى المقلق
الأطفال حساسون للمحتوى الإعلامي المرتبط بالأزمات. ومشاهدة الأخبار بشكل متكرر قد يزيد من مخاوفهم ويخلق لديهم شعورًا بعدم الأمان. كما أن المَشاهد التي يرونها والأصوات التي يسمعونها تلتصق بذاكرتهم فورًا. راقب ما يشاهده الأطفال، وقدم لهم معلومات إيجابية ومطمئنة بدلًا من الأخبار السلبية.
- الاستماع الفعّال
عندما يتحدث الطفل عن مشاعره أو مخاوفه، من الضروري أن يشعر بأنك تصغي إليه دون إصدار أحكام. أعطه الوقت الكافي ليعبر عن مشاعره بلغته وطريقته، دون أن تقاطعه أو تصحح مشاعره. لا تستنكر عليه البكاء مثلا وتقول له “الرجل لا يبكي”! أو تقول له “لماذا تصرخ كالصغار؟”
بعد الاستماع الجيد، أجب بعبارات مثل: أنا أفهم ما تشعر به.. هذا شعور طبيعي لما مررت به.. أنا هنا لأساعدك.
- الاهتمام بالنشاط البدني
تلعب الأنشطة البدنية دورًا كبيرًا في تقليل التوتر وتحسين المزاج للصغار والبالغين على حدٍ سواء. يمكنك تجربة اللعب في مساحة مفتوحة، أو الجري أو غيرها من الألعاب المفضلة للطفل، والتي تتضمن بذل مجهود بدني، واختبار مشاعر الفوز. خصص وقتًا يوميًا للأنشطة الحركية حسب قدرة الطفل، لأن الحركة الجسدية تطلق هرمونات السعادة التي تساعد على استعادة الهدوء.
- تقنيات التنفس والاسترخاء
ربما لا يكون شائعًا اتباع تقنيات التنفس والاسترخاء مع الأطفال، لكنها مجربة وفعالة. علّم الأطفال تقنيات بسيطة للتحكم في التنفس، مثل التنفس ببطء لأربع ثوانٍ، ثم حبس النفس لثانيتين، ثم الزفير ببطء لأربع ثوانٍ أخرى.
- الاهتمام بالنوم والتغذية
التغذية السليمة والنوم الجيد عاملان أساسيان للحفاظ على صحة الأطفال النفسية. فالأطفال الذين يعانون من قلة النوم أو سوء التغذية قد يصبحون أكثر عرضة للتوتر والقلق.
حاول قدر الإمكان أن يحصل الطفل على وجبات صحية ومتنوعة، وأن ينام لعدد ساعات كافية كل ليلة.
- الدعم الاجتماعي
عندما يختلط الطفل بعائلته وأقرانه، يقل لديه شعور العزلة، ويشتت انتباهه إلى حدٍ ما عن الأزمة أو الظرف الصعب. من هنا يمكن تشجيع الطفل على اللعب مع أخوته وجيرانه، أو التواصل مع أصدقائه عبر الإنترنت بالصوت والصورة، أو الذهاب في زيارات اجتماعية لو كان الظروف تسمح بذلك.
الجلسات العائلية وجلسات الأصدقاء من أهم طرق تخفيف التوتر للأطفال ومربيهم على حد سواء.
أخيرًا..
تعصف الأزمات بالصغار والكبار، لكن الأهل والمربين هم مصدر الأمان والاستقرار لأطفالهم. رغم ما يعانيه الكبار من قلق وضيق، من المهم أن يظهروا الدعم والهدوء أمام الأطفال ويساعدوهم على تجاوز الصعوبات النفسية بطريقة صحية.
تعلّم المزيد عن الأطفال وكيفية التعامل معهم عبر مساق “التربية الإيجابية” عبر المنصة .
فصحة الأطفال النفسية تعتمد على صحة البالغين المحيطين بهم، ما يعني أن عليهم الاعتناء بأنفسهم أيضًا. تعلم أيضًا أبرز التقنيات لمواجهة الضغوط النفسية أثناء الأزمات، وانضم إلى “مساق التعامل مع الضغوط النفسية” عبر منصة أثر التعليمية.
اقرأ أيضًا: الصحة النفسية أثناء الأزمات/ استراتيجيات فعالة لإدارة الضغوط النفسية أثناء الطوارئ