المدونة
ما يجب أن يعرف ذوو الإعاقة عن حقوقهم في العمل؟
تقدر منظمة الأمم المتحدة أن 15% من سكان العالم من ذوي الإعاقة، أي أن نحو مليار شخص بحاجة إلى احتياجات خاصة في الحياة والدراسة، ومعظمهم في سن العمل.
المؤسف أن 7 من كل 10 أشخاص من ذوي الإعاقة لا يعملون. كما أن معظم ذوي الإعاقة في البلدان النامية يعملون في مؤسسات خاصة لا تضمن لهم أمنًا وظيفيًا أو مزايا.
ما الذي يمكن أن نستنبطه من تلك الأرقام؟
أن بيئات العمل بشكل عام لا تبدو أنها داعمة لذوي الإعاقة، أو أن ذوي الإعاقة أنفسهم جاهلون بحقوقهم في العمل أو غير قادرين على تحصيلها.
ورغم أن المجتمعات العربية تسعى بشكل متزايد إلى تحقيق الدمج الاجتماعي والاقتصادي للأشخاص ذوي الإعاقة، إلا أن تحديات كبيرة في بيئات العمل لا تزال تعقد الأمور.
في هذا المقال، نتعرف على أبرز حقوق ذوي الإعاقة في العمل، والتحديات التي يواجهونها، ونقترح آليات لكيفية المطالبة بحقوقهم.
أبرز حقوق ذوي الإعاقة في بيئات العمل:
1. الحق في التوظيف بناء على المهارات والقدرات، دون تمييز على أساس الإعاقة.
2. الحق في الحصول على تسهيلات وتعديلات لجعل بيئة العمل مريحة وآمنة.
3. الحق في المساواة في الأجر والترقيات.
4. الحق في الحماية من التمييز بسبب الإعاقة في أي جانب من جوانب العمل، كالتعيين والترقية أو الإقالة.
5. الحق في الحماية من التحرش أو التنمر.
6. الحق في تقديم شكاوى رسمية في حال تعرضه للتمييز أو الحرمان.
7. الحق في المزايا الصحية، مثل المرونة في منح الإجازات المرضية، وعدم مشاركة المعلومات الصحية دون موافقة الموظف.
8. الحق في العمل المرن مثل تعديل جدول العمل.
وجود هذه الحقوق وغيرها، لا يعني أن كل بيئات العمل تعترف بها. فيجد الموظف من ذوي الإعاقة نفسه أمام العديد من التحديات.
أبرز التحديات التي تواجه ذوي الإعاقة في العمل:
تختلف تفاصيل التحديات التي تواجه ذوي الإعاقة من بيئة إلى أخرى، إلا أن هناك تحديات مشتركة في بيئات العمل العربية، أبرزها:
التمييز الاجتماعي: ففي بعض المجتمعات تُعتبر الإعاقة سببًا للتمييز المجتمعي. وقد يكون أصحاب وزملاء العمل ممن ينظرون إلى ذوي الإعاقة على أنهم أقل قدرة وكفاءة في العمل، فيستبعدونهم من المناصب المهمة.
الوعي المجتمعي المحدود: فرغم كل الجهود التي تعمل على تعزيز الوعي المجتمعي بفئة ذوي الإعاقة، إلا أن النقص لا يزال موجودًا حول ما يحتاجه ذوو الإعاقة من تعديلات في بيئات العمل كي يؤدوا أعمالهم على أكمل وجه. هذا الوعي المحدود ينتج عنه غياب المبادرات الخاصة بالدمج وتهيئة أماكن العمل.
الالتزام الضعيف بتطبيق القوانين: غالبية الدول العربية لديها قوانين وتشريعات لحماية حقوق ذوي الإعاقة في العمل، وقوانين تضمن توظيفهم في القطاع الحكومي والخاص، إلا أن الالتزام بتطبيق القانون ضعيف. فقد تجد بعض الشركات غير ملتزمة بالحصة الوظيفية الخاصة بذوي الإعاقة أو غير ملتزمة بتعديل بيئة العمل وفقًا لاحتياجات الموظف.
البنية التحتية غير الملائمة: استقبال موظفين من ذوي الإعاقة يتطلب تجهيزات في البنى التحتية مثل مراعاة المساحات ودورات المياه الخاصة وغيرها من الاحتياطات التي تجعل بيئة العمل مريحة وآمنة. في الكثير من المؤسسات والشركات تكون البيئة التحتية غير ملائمة وربما خطرة.
القدرات التكنولوجية: بعض الأشخاص ذوو الإعاقة يفتقدون الأدوات التكنولوجية التي يحتاجونها لأداء عملهم بشكل فعال. فالمؤسسات قد لا تدرك أهمية التكنولوجيا المساعدة، مثل برمجيات قراءة الشاشة أو أجهزة الإدخال الصوتي، وغيرها.
التعامل مع الاحتياجات الصحية: قد يحتاج الأشخاص ذوو الإعاقة إلى إجازات طبية إضافية، أو مراعاة صحية في ظروف معينة. إذا لم تمتلك الإدارة الوعي الكافي للتعامل مع ذلك، قد تخفض تقييمهم أو فرصهم في الاستمرار في الوظيفة أو الترقية.
الجهل القانوني: كثير من ذوي الإعاقة ليس لديهم معرفة كاملة بحقوقهم القانونية، ما يجعلهم لا يلاحظون تعرضهم للتمييز والاستبعاد. وهذا بالطبع ليس مبررًا للمؤسسات التي تستغل ذوي الإعاقة، لكنه سبب في استمرار انتهاك حقوقهم.
كل تلك التحديات تعني أن الأشخاص ذوي الإعاقة تقع على عاتقهم مسؤولية كبيرة في التوعية بحقوقهم والمطالبة بها. فكيف يطالب ذوو الإعاقة بحقوقهم بطريقة تضمن الاستماع إليهم؟
أولًا: الوعي بحقوقهم
ففي الدول لديها قوانين بالفعل لحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، يجب الأفراد على دراية كاملة بتفاصيلها. يمكن تعزيز هذا الوعي من خلال الجمعيات والمؤسسات الداعمة والاتحادات الخاصة بذوي الإعاقة.
ثانيًا: التواصل الفعّال مع إدارة العمل
لا يجب أن يكون الحوار مع الإدارة مبنيًا على استجداء العطف والمشاعر، بل على الحقائق والقوانين. يشرح الشخص ذو الإعاقة قدراته ومهاراته وكيفية تنفيذ مهام العمل، ثم يطلب بوضوح طبيعة التسهيلات التي تلائم حالته (في الحركة أو مرونة الدوام أو تعديل في البيئة…إلخ). عندما يتم توضيح أن هذه التعديلات تساهم في تحسين الإنتاجية، ستوافق الإدارة الحكيمة عليها بصدرٍ رحب.
ثالثًا: التعاون مع منظمات المجتمع المدني
اتحادات ذوي الإعاقة والمنظمات الحقوقية يمكن أن تكون داعمة في جوانب عدة. قد تقدم المشورة القانونية أو تعزز الحوار مع إدارات المؤسسات أو تسهل عمليات إجراء التعديلات في بيئات العمل أو تناصر ذوي الإعاقة الذي تعرضوا لانتهاكات.
رابعًا: التوثيق القانوني
التوثيق القانوني للاتفاقات والمواقف المهمة وحوادث التمييز التي يمر بها ذوو الإعاقة مهم لدعمهم في أي موقف قانوني. من الجيد معرفة الموظف بكيفية التوثيق القانوني وكيفية رفع الشكاوى.
بين المحاربة لتحسين بيئة العمل والانسحاب منها.. ماذا يختار الموظف ذو الإعاقة؟
هذا السؤال يُطرح كثيرًا عندما يمر ذوو الإعاقة بمواقف عديدة ومشاكل كثيرة مع بيئات العمل. هل أقاتل أم أنسحب؟
يكون خيار الانسحاب أفضل إذا كانت بيئة العمل تسبب ضررًا نفسيًا أو جسديًا كبيرًا، كالتمييز المستمر والتنمر وعدم اهتمام الإدارة بالاحتياجات الخاصة. فإذا استنزف الشخص ذو الإعاقة الخيارات القانونية والإدارية لتحسين وضعه ولم يحقق نتيجة، قد يكون الانسحاب هو الأفضل حتى لا يتعرض للإجهاد الشديد أو الأذى.
أما إذا كانت هناك علامات تدل على استعداد الإدارة للاستجابة لمطالب الموظف، أو لإجراء تعديلات أو حتى التفاوض، يكون السعي لتحسين بيئة العمل هو الخيار الصحيح. فأي تطوير في بيئة العمل سيعود بالنفع على الموظف الحالي والأجيال القادمة.
وقد يختار الموظف ذو الإعاقة المحاربة لتحسين بيئة العمل، إذا كان قادرًا على التأثير في المفاهيم والثقافة المجتمعية. بمعنى أن هدف الشخص لا يكون أداء وظيفته فحسب، بل تعزيز الوعي المجتمعي باحتياجات فئته ككل.
أهم الاستراتيجيات التي تعزز حقوق ذوي الإعاقة في العمل:
الوعي والمناصرة الذاتية: من المهم أن يكون الأشخاص ذوو الإعاقة على دراية بحقوقهم واستعداد للدفاع عنها بأنفسهم وتعزيز ثقتهم بقدراتهم. يمكن أن تعزز وعيك من خلال الانضمام إلى مساق “الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأشخاص ذوي الإعاقة” في منصة أثر، وتلقي الدورات التدريبية حول الموضوع. فالمناصرة الذاتية تعني الجرأة في الحديث عن الاحتياجات والتعديلات اللازمة من خلال الحوار الفعال والمقنع.
التوعية المؤسساتية: من المهم تنظيم ورش عمل وحملات توعية، لزيادة فهم الإدارة وزملاء العمل باحتياجات زملائهم ذوي الإعاقة، وكيفية مساعدتهم لاستثمار قدراتهم بشكلٍ فعال.
استثمار التكنولوجيا: الاستثمار في أدوات التكنولوجيا المساعدة يسهل دمج ذوي الإعاقة في العمل. فيمكن للمؤسسات الاستثمار في تطبيقات التنقل والقراءة والأجهزة المساعدة في المكتب.
المناصرة المجتمعية: من واجب مؤسسات المجتمع المدني أن تنظم حملات توعية مجتمعية، للحد من التمييز ضد ذوي الإعاقة والحد من التنمر عليهم.
في الختام،
بيئات العمل بشكل عام، والعربية منها على وجه الخصوص، تصبح داعمة لذوي الإعاقة بشكل تدريجي. وبالرغم من وجود تحديات عديدة، إلا أن ذوي الإعاقة هم الأكثر قدرة على التأثير في زملائهم ومدرائهم ومجتمعاتهم، الذين قد يجهلون بالفعل ما عليهم فعله. فالتصدي لانتهاك حقوق ذوي الإعاقة في العمل ليس أمرًا شخصيًا، بل خطوة مهمة على طريق العدالة الاجتماعية.